نجوم مصر

نجوم مصر .. موصع من مصر لكل عصر .

أخبار العالم

ما فعله تويتر “بالآباء المؤسسين!”


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

وهكذا البشر يتساوون في فطرتهم ونوازعهم، والتي قد تخفيها أو تحد منها عناصر الثقافة المرعية، إذ تترسخ فتصنع مصدات للتصرف تحدد اللائق وغير ذلك، وحيث النظم الاجتماعية الممتدة حضورًا زمنيًا تشذب فتطبع فيهم روح الكائنات التي تستأنس بالقوانين وتقاليد العيش والسلوك المقبول، وحتى تأتي لحظات وأزمنة أزمات فتظهر فجأة أنياب البدائيين الأوائل، وليبدو الإنسان كأنه لم يتعلم من تاريخه شيئًا قط، وهو بعض من سنن الكون وتدافعاته تسري على البشر شرقًا وغربًا، متقدمًا وناميًا وما بينهما من تدرجات يحسبها البعض عوازل وجدارات سميكة لا تجمع بينهم أبدًا.

هذا بعض من تقريب بين البشر في ساحة الحياة وحيث جميعهم أبناء آدم وحواء، ودعك من الشامتين فيما حدث من اقتحام الحشود لمبني “الكابيتول” في الولايات المتحدة، فهم وبغير وعي يخاصمون تاريخًا بالتحضر والتطور الإنساني، إذ ينظر البعض منهم لما حدث كمدعاة للسخرية الشاملة والتندر السافر الجامح، شيء من ذلك مما يمكن أن ترصده في تندر وسخرية امتدت إلى بعض من نحسبهم من المتنورين، سيكون مرجعه نوعًا من انتقام غير واع له سمت شعبوي موجه إلى خطاب النخب التاريخي وانغلاقه السابق وأفقه الأحادي، وحين ظل عقودًا مادحًا ومستغرقًا في وصف جنة الغرب “الديمقراطية” في نظر هؤلاء.

كما أن فهم بعض من استقبال وتفاعل وسخرية جماهير العالم الثالث في متابعاتها على منصات التواصل وسعيها للتعليق على وتفسير ما يجرى، ربما تجد صدى وتحليلا في تكرارٍ مدوٍ عبر العقود لتلك الجمل البلاغية المحتشدة رطانة وجرسًا موسيقيًا، والتي دأب بعض بل أكثر المثقفين الغربيين في النظر بها نحو الشعوب غير الغربية حين يحللون شئونهم، وشاركهم في تبنيها ونقلها وترسيخها تكرارًا وتحليلًا بعض المثقفين العرب المنبهرين، حينما يستحضرون نموذج الديمقراطية الغربية ويستحضرون معه الولايات المتحدة وتمثال حريتها الشهير مثالا وعلامة تجارية على كل ما يأتي تحت باب “دعه يعم دعه يمر”، وحيث في نظر هؤلاء فإن ما حدث في مبنى الكابيتول دمر كثيرًا من أحجار راسخات أو كان يظن بها كذلك فيما مضى.

اليوم يسخر الجمهور الشعبي في الكون من تلك الرطانة، ومن يقينيات تلك الرطانة وهي تطل عبر العقود عليهم مؤدبة ومعلمة ومانحة للدروس زمنًا جمًا، وينسون في خضم ذلك أن تلك حادثة واحدة فقط في كل تلك العقود الكثيرة، لن يغير ذلك من السخرية شيئًا، ستكون الشعبوية المتندرة متوجهة نحو تاريخ اليقين والمتحدثين به تغزلًا زمنًا طويلًا، ونحو المتكلمين بثقة ويقين في مختلف أنحاء العالم عبر نوافذ إعلامية يلقنون البدائيين من شعوبهم عبرها شيئًا ما في أصول ما فعله راسخًا اللقب الفخيم “الآباء الأمريكيون المؤسسون”.

عصف ترامب ببساطة جمة بكل ما استقر عليه محترفو التنظير، بل وما استقر عليه البعض بأنه فعل الآباء المؤسسين وقلقل مراقدهم، وقام أنصاره في الكونجرس في أثناء إجراء تقليدي –أو كان يحدث دوما كذلك- للتصديق على النتائج بتقديم عرائض مكتوبة توقف سريان نسق الآباء المؤسسين، وبصرف النظر عن مدى وجاهة أو صحة ذلك، فقد أظهر ما حدث هنا أن الآباء المؤسسين مجرد بشر، وأن ما جعلوه ثابتًا ويقينًا ومن لزوميات تسيير الحياة صار ذات يوم مدعاة للعصف به أو محاولة ذلك.

ما حدث في أمريكا مرجعيته قد تبدو غريبة وسره قد يبدو يسيرًا في آن معًا، يمكنك أن تبحث عنه مدققًا في وسائل التواصل الاجتماعي، وحيث ستعرف مجريات وطريقة التمهيد وكيف جرت حثيثًا، ستدرك كيف مر وانتظم عقد الكثير من تحشيد أنصار ترامب ومن تشكل شعاراتهم وأزيائهم، لقد منحت تعبيرات وسائل التواصل مساحة لم تحدث تاريخيًا لنزعات فردية تحمل رؤية ما خارج النسق العام، وقد عاشت منعزلة تحسب نفسها جامحة غريبة، وحيث أبعدها عصر وسائل الإعلام المهيمنة التقليدية، وفجأة عرفوا أن هناك من هم مثلهم ويفكرون على طريقتهم، وعرفوا أنهم منتشرون هنا وهناك، وقد منحتهم وسائل التواصل فرص تعارف وتنظيم وحشد، ثم الأهم قوة الشعور بأنهم ليسوا أبدًا وحدهم، ما أمدهم بالقوة والرغبة في أن تتسيد نظرتهم للكون.

فإذا بهم يقلقلون ثوابت ومراقد أولئك الآباء المؤسسين، والذين ظهر هنا أنه لم تفلح الكتب الدراسية والتعليمية الأمريكية المتداولة كونيًا في أن ترسخ تعاليمهم وتقاليدهم ومواقفهم في عقول أجيال أمريكية شابة وأكبر سنًا تعيش وتقتات الحياة على منصات التواصل.

يوما بعد يوم ومن خلال نموذج توظيف ترامب لتويتر وفيس بوك يتبين كيف يمكن أن يتغير العالم وفي اتجاه ما لا نعرف، وكيف يمكن أن تتجمع نزعات عدوانية ومتطرفة في بؤر تنمو لتشكل عبر الوقت تجمعات تقوى فتشكل خطرًا على الحياة ذاتها، وحيث تعيد منصات التواصل بعثًا جديدًا وانتشاء لفكرة الحشود والتي كادت تختفي غربًا.

يحدث كل ذلك ويمضي مع الأيام انتشارًا، وسيكون “النموذج الأمريكي” في دول غربية أخرى ملهمًا كما كان دومًا، وكما أنماط العيش والزي والطعام على الطريقة الأمريكية تنتشر في العلم يسرًا، سيسري شيء من ذلك عبر بقاع جغرافية الكون تقليدًا، بينما لن تتمكن أبدًا كل وسائل الإعلام في أن تنقل لنا واقعًا أو خيالًا ما كان يمكن أن يقوله أولئك الآباء المؤسسون لوقف ذلك، حيث هم يرقدون في سلام منذ زمن بعيد، وتلك هي المسألة.

LEAVE A RESPONSE

Your email address will not be published. Required fields are marked *