نجوم مصر

نجوم مصر .. موصع من مصر لكل عصر .

أخبار العالم

آلهة العالم الجديد


جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

يُخطئ من يظن أن العالم الذي نعيش فيه محكوم فقط بالأفكار الفلسفية والاقتصادية والسياسية العقلانية؛ فالأفكار والرؤى الدينية والأسطورية القديمة والمُستحدثة يبدو أنها تلعب دورًا كبيرًا في تحديد خيارات وتوجيه سلوك وسياسات وقرارات أهل الحل والعقد النافذين في هذا العالم من أهل السياسة والحكم والاستخبارات والمال والأعمال.

والمتحكمون في مصير العالم ودوله وشعوبه اليوم، هم آلهة العالم الجديد، وصانعو التاريخ والمصائر فيه، وقد قرروا- فيما يبدو- تجاوز السرديات الإنسانية والدينية التقليدية الكبرى، ليصنعوا سرديات صغرى جديدة، أكثر حضورًا وتأثيرًا، وأكثر فاعلية ومساعدة لهم في تحقيق أهدافهم.

سرديات جديدة يصبح فيها تصور الإله القديم، الخالق الوحيد، والصانع الوحيد، والفاعل الوحيد في التاريخ من ميراث الماضي، وميراثا للشعوب التي تعيش خارج العصر والتاريخ.

وفي هذه السرديات الجديدة، تحتل فكرة التطور مكان نظرية الخلق الإلهي، وتتلاشى تصورات الخلق الدينية التقليدية التي تجعل الكون والإنسان من خلق إله واحد قادر رحيم معتنٍ بالبشر.

كما أن لتلك السرديات أبطالًا أسطوريين وملحميين، يُجسدون النموذج الأعلى للنجاح المادي، والنموذج الأعلى للإنسان الجديد، أبطالا يحملون روح وسمات العصر، ويجسدون قيمه التي تمجد الحياة هنا والآن فقط، وتُعطي الأفضلية للصورة على الفكرة، وللشكل على المضمون.

ومن خلال تلك النماذج الإنسانية الجديدة للبطولة والنجاح المادي، التي سوف تصبح مثلًا أعلى للإنسان في العالم الجديد، سوف يتم (تشيئة) الإنسان، أي جعله سلعة تُباع وتُشترى حينًا أو (حيونته) وجعله يحيا في مرتبة الحيوان الذي يعيش لتوفير غذائه واحتياجاته المادية، وهو ينظر لأخية الإنسان بوصفه فريسة وموضوعًا للاستغلال حينًا آخر.

وآلهة العالم الجديد النافذون المتحكمون، هم رواد “رأسمالية الكوارث”، التي نعيش في ظلها اليوم، والذين يعتقدون أن العالم وصل إلى مرحلة ما قبل الطوفان الجديد، وعلى الإنسان الفائق “السوبر مان” الذي صار بديلاً للإله، أن يصنع مع نظرائه القليلين “سفينة نوح جديدة”، لإنقاذ أنفسهم.

ولأن هذه السفينة محدودة، يتعذر معها إنقاذ كل البشر، سوف يكون المربح والأكثر فائدة للإنسانية الجديدة أن يذهب معظم البشر إلى الجحيم من خلال وباء أو كوارث أو حروب وثورات.

وتلك الرؤية الاقتصادية والاستراتيجية “الخلاصية” تستند عند بعض هؤلاء إلى تصورات دينية يُلخصها رأي بات روبرتسون، الضابط ورائد الأعمال والسياسي والقس المعمداني الأمريكي، الذي يقول: “لن نبكي كما يبكي سكان العالم حين تحدث بعض المآسي أو تنهار حكومات وأنظمة العالم، فهذا ليس أمرا فظيعًا على الإطلاق، بل أمر جيد، وهو رمز دلالي على خلاصنا”.

وهذا يعني أن خلاص هؤلاء في هلاك سواهم، وأنهم مدنينون زائفون، ورسل كذبة للإنسانية الجديدة؛ ولهذا يتحتم على كل عقلاء العالم وأصحاب الفكر الإنساني، والقيم الدينية والأخلاقية التوحيدية والوضعية محاربة أفكارهم وأهدافهم وإثبات بطلانها وفسادها، وأنها تُقوض القيم الروحية والجمالية والإنسانية المكونة لأي حضارة.

وكذلك يتحتم رفض النماذج الإنسانية التي يريدون جعلها مثلًا أعلى للإنسانية الجديدة؛ لأن في انتصارها وسيادتها تشويها وتشيئة وحيونة (الإنسان/الإنسان) الذي خلقه الله على صورته وكرمه ونفخ فيه من روحه.

LEAVE A RESPONSE

Your email address will not be published. Required fields are marked *